“أنامل الأحداث” ترسم خلاصها في “ردهة الفنون” في معرض مسقط

فاطمة ابوناجي مسقط
داخل زوايا معرض مسقط الدولي للكتاب، حيث يلتقي الفكر بالجمال، تنبض “ردهة الفنون” بالحياة؛ وتحديدا في ركن بالغ التفرّد والحميمية، يحمل عنوان “أنامل الأحداث”. هنا، لا تُعرض مجرد لوحات ومنحوتات بل تتجلى أرواحٌ صغيرة تعيد تشكيل ذواتها عبر الألوان والخطوط والملمس.
تتراوح أعمار المشاركين في هذا المعرض بين 14 و18 عامًا، جميعهم من نزلاء دار الإصلاح التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية. ربما لم تكن طفولة البعض منهم سهلة، أو ولم تكن خطواتهم الأولى في الحياة مفروشة بالحنان، او قد يكون بعضهم توفر له كل ذلك، لكنه تمرد واحد عن الطريق الصواب وأتعب والديه، قبل ان يدخل “دار الإصلاح”، اليوم يقف هؤلاء الفتيان بثبات أمام جمهور لا يرى ماضيهم، بل يصغي إلى حاضرهم الفني وإلى تلك الومضات التي تشي بتحولات داخلية عميقة.
أبدع هؤلاء الفتية أعمالًا فنية تنوعت بين الرسم والنحت والتشكيل، وقدّموا من خلالها خلاصاتهم الذاتية بلغة بصرية كثيفة. في إحدى الزوايا، تبرز ثلاث منحوتات لوجوه بشرية متباينة، تحاكي قلقا داخليا وسكونًا حذرا، كأنها تسرد حكايات عاشها الفنانون الصغار بصمت، وها هم يروونها اليوم بعمق ناضج. تتجاور هذه الوجوه مع قطعة خشبية ملساء وعشوائية الشكل؛ كأنها تمثّل الحياة في عفويتها بانكساراتها وتعرجاتها، لكنها رغم ذلك تحتضن الجمال. إنها وجوه متخيلة، لكنها مأخوذة من عمق التجربة الإنسانية ومن ذاكرة نحتية بدائية ربما، فيها شيء من الطقوس ومن الألم المكثف.
في هذا المشهد البصري من ردهة “أنامل الأحداث”، هناك أيضا لوحات تشكيلية تعكس تنوع الرؤى والأساليب التعبيرية لدى النزلاء الشباب، تقف هذه الأعمال بخاماتها وألوانها كشهادات حية على قدرة الخيال على انتزاع الذات من أسر الذاكرة الثقيلة.
فهناك لوحة تصرخ من خلال وجه بانفعالات حادة؛ يكاد يخرج من سطح اللوحة. تتوزع الألوان بشكل عنيف على الملامح والعينان المتسعتان والفم المفتوح يحيلان إلى حالة من الفزع أو الانفجار النفسي. إنها لحظة تعرية كاملة للمشاعر.
وتظهر لوحة ثانية شخصية تنظر مباشرة إلى المتلقي بعينين واسعتين وجسد مائل إلى الأمام وكأنها تنبئ عن استعداد للبوح أو لخطوة نحو المجهول. المشهد يوحي بقلق داخلي أو ترقّب صامت.
وتتبدى أمامنا أيضا لوحة اخرى تجسد رجلا جالسا في وضعية تأمل أو حزن يطغى عليها اللون الداكن فيما تفاصيل وجهه الحادة تضفي بعدا دراميا داخليا، كما لو كان يحمل حكاية لم تُقل.
وضمن اللوحات أيضا، لوحة يظهر فيها وجه بشري مفرط الطول والجمود، يبدو شبه خالٍ من الملامح أو التعبير. وهو ما قد يرمز إلى حالة انطفاء أو فراغ داخلي أو إلى انكسار الهوية في لحظة من التشظي.
وعرضت ايضا في هذه الزاوية لوحة تبدو أكثر حيوية وتضم ثلاث شخصيات بملامح متقاربة بوجوه زرقاء وخلفية صفراء نابضة. الانطباع الأولي يوحي بالتضامن أو الجماعة، وكأن الرسام يحاول استحضار الرفقة أو الأخوّة كقوة مواجهة للانعزال.
ويقدم لنا هذا المعرض أيضا لوحة تتخذ من الرمادي مسرحا تتقاطع فيه ظلال الألم والبحث عن الذات. شخصية بشرية مائلة الرأس للأعلى، محاطة بحروف عربية تتطاير من الرأس كأنها أفكار أو ترانيم أو صرخات لم تُسمع. اللوحة لا توثق مشهدًا فحسب، بل تقدّم تجربة داخلية موغلة في العمق، تعكس تداخل الذات مع لغتها وأحاسيسها وانفعالاتها.
وفي هذا الصدد يقول الاستاذ سالم الفارسي؛ رئيس قسم دار إصلاح الأحداث في حديثه لـ”رسالة الأمة”: “الفن كان بمثابة شرفة جديدة لهؤلاء الفتية، فهو نافذة تطل على احتمالات أخرى للحياة”.
يؤمن الفارسي بأن العمل الفني ليس مجرد نشاط ترفيهي لهؤلاء الشباب، بل هو فعل تحولي حقيقي.
“لقد قربهم الفن من ذواتهم، وسحبهم من متاهات العنف والخوف ليزرعهم في فضاءات اللطف والتأمل والمصالحة مع النفس”، يضيف المتحدث للصحيفة، الذي سنحاول العودة للحديث معه، في مقال لاحق، عن تفاصيل بخصوص دور هذه الدار وطبيعة الأحداث الذين تمت استضافتهم واحتواؤهم وكيف يتم التعامل معهم، وخصوصيات هذا التعامل، وأيضا لنعرف بعض الأرقام المتصلة بالموضوع.
والجدير بالذكر هنا أن وزارة التنمية الاجتماعية، من خلال دار الإصلاح، لا تقدّم لهؤلاء الفتية فقط مأوى، بل إنها تمنحهم ما هو أعمق؛ وهي فرصة لإعادة تشكيل الذات، واكتشاف صوت داخلي قد طمسته الظروف. إنها لا تعيد بناء السلوك فقط، وإنما تعيد بناء الحلم.
بقي أن نقول إن ردهة “أنامل الأحداث”، ليست معرضًا فنيا فحسب، بل شهادة مؤثرة على قدرة الإنسان، حتى في أقسى ظروفه، على النهوض وعلى تحويل الألم إلى جمال. إنها ليست فقط مساحة فنية داخل معرض الكتاب بمسقط لسنة 2025، بل نقطة ضوء إنسانية تلمع في القلب، وتقول لنا: إن الفن حين يُمنح للمحرومين منه، قد يكون المعجزة التي انتظرناها طويلا.














