صنّاع الأفلام الفلسطينيون من مهرجان اجيال.. السينما كفعل مقاومة وحلم مستمر

فاطمة ابوناجي –
وسط التحديات المتزايدة في مواجهة الاحتلال والظروف السياسية الصعبة، يبقى صُنّاع الأفلام الفلسطينيون متمسكين بشغفهم الفني وبالتزامهم بنقل قصصهم وهويتهم إلى العالم. في مهرجان أجيال السينمائي 2024، الذي تنظمه مؤسسة الدوحة للأفلام، عبر العديد من المخرجين والممثلين الفلسطينيين عن همومهم المستقبلية بشأن صناعة السينما في فلسطين، متحدثين عن الصعوبات التي تواجههم من نقص في البنية التحتية، قلة التمويل، وتحديات التوزيع. ومع ذلك، عبر هؤلاء الفنانون عن فخرهم بما يحققونه، واهتمامهم المستمر بنقل الواقع الفلسطيني عبر شاشة السينما رغم كل القيود.
ليلى عباس: السينما كمساحة للحلم والمقاومة
في حديثها عن تجربتها، أكدت المخرجة الفلسطينية ليلى عباس أن السينما الفلسطينية لا يمكن أن تنفصل عن الواقع السياسي، بل هي جزء لا يتجزأ من النضال اليومي لمواجهة الاحتلال ومحاولات التهميش. فيلمها “شكراً لأنك تحلم معنا” الذي يعرض في مهرجان أجيال السينمائي، يحمل رسالة أمل وحلم رغم التحديات الكبيرة. تقول ليلى: “صوّرت فيلمي قبل أحداث السابع من أكتوبر، وكان لدي رغبة في الابتعاد عن السياسة. لكن في فلسطين، لا يمكن للسينما أن تكون مجرد ترف. السياسة جزء من الحياة اليومية، ولا يمكننا فصلها عن القصص التي نرويها.”
وتضيف: “السينما هي الأداة التي تمكننا من فتح مجالات للحوار وتبادل الأفكار، وتحفزنا على التفكير في واقعنا بطرق جديدة. أعتقد أن الفيلم لا يقدم حلولاً مباشرة، لكنه يطرح أسئلة تفتح أبواب النقاش، وهو ما يحتاجه المجتمع الفلسطيني اليوم.”
ليلى ترى أن السينما ليست مجرد وسيلة ترفيهية، بل هي أداة لنقل معاناة شعبه وأملهم في المستقبل، وهي وسيلة لمشاركة تجارب الحياة الفلسطينية مع العالم، وتقديم الصورة الحقيقية عن الصراع الفلسطيني بعيداً عن الروايات المغلوطة.
محمد بكري: “جنين جنين” شهادة على الصمود
من جهة أخرى، يواصل المخرج محمد بكري، أحد أبرز الأسماء في السينما الفلسطينية، تقديم أعمال سينمائية تعكس الواقع الفلسطيني بكل قسوته. فيلمه الوثائقي الجديد “جنين جنين” هو استكمال لعمله الأول “جنين، جنين”. في هذا الفيلم، يعود بكري بعد عشرين عامًا لتوثيق شهادات الناجين من العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في مخيم جنين، مما يعكس التأثير المستمر للأحداث التي شهدها المخيم في عام 2002.
قال بكري: “السينما الفلسطينية لا تستند فقط إلى الإبداع الفني، بل هي فعل مقاومة ونضال. نحن لا نملك بنية تحتية حقيقية لصناعة السينما في فلسطين، لكننا لا نتوقف عن السعي لتحقيق هذا الحلم، مهما كانت التحديات. فيلمي “جنين جنين” ليس مجرد وثائقي، بل هو شهادة حية على معاناة شعبنا واستمرار نضاله.”
وأضاف بكري أنه رغم الصعوبات التي يواجهها في تمويل أفلامه، إلا أنه يشعر بالفخر بما يقدمه: “عندما أنهيت “جنين جنين”، نظرت إلى نفسي في المرآة، ورأيت في عيني شيئًا أكبر من فيلم، رأيت تاريخًا يرفض أن يُنسى.”
رشيد مشهراوي: السينما الفلسطينية بين النضال والأمل
المخرج رشيد مشهراوي، الذي حازت أفلامه على إشادات واسعة في مهرجانات عالمية، تحدث عن التحديات الكبيرة التي يواجهها في صناعة أفلامه، حتى بعد أن لاقت أعماله نجاحًا في مهرجان كان السينمائي. يقول مشهراوي: “كل مرة أبدأ فيها العمل على فيلم جديد، أشعر وكأنني أعمل على أول فيلم لي. السينما ليست مجرد فن، بل هي نضال مستمر لتحقيق الحقيقة ونقل صورة واقعية عن فلسطين.”
وأضاف مشهراوي أنه رغم النجاحات التي حققتها أفلامه، يواجه تحديات كبيرة في إنتاج أفلام جديدة بسبب الظروف الصعبة التي تحيط بصناعة السينما في فلسطين. تحدث عن فيلمه الأخير “أحلام عابرة” الذي تم تصويره في القدس، بيت لحم، حيفا، والضفة الغربية، قائلاً: “تصوير الفيلم في هذه الأماكن كان تحديًا كبيرًا، فكل مكان ننتقل إليه كان يتطلب تصاريح خاصة. ولكننا نجحنا في تحقيق ذلك، وهو ما يعكس مرونة وإصرار الشباب الفلسطيني على المضي قدمًا في صنع أفلام رائعة.”
صالح بكري: السينما كأداة لإعطاء الحياة معنى
الممثل الفلسطيني صالح بكري، رئيس لجنة تحكيم “صنع في قطر” لهذا العام، تحدث عن الدور الهام الذي تلعبه السينما في حياتنا اليومية، خاصة في ظل الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني. قال بكري: “السينما لا تشفي الجراح، ولكنها تمنح الحياة معنى وتساعد على إزالة غبار العجز الذي يشعر به الكثيرون في ظل الظروف الصعبة. هي وسيلة للعيش والتعبير عن آلامنا وآمالنا.”
وأشار صالح إلى أن الحياة اليومية في فلسطين أصبحت أكثر صعوبة، وأن الواقع السياسي يحاصر الفنانين، مضيفًا: “الفكرة الأساسية للمدينة الفلسطينية قد تم تدميرها. في الماضي، كان الفنانون العرب يأتون إلى فلسطين من مختلف أنحاء العالم، واليوم، لا يستطيع جمهورنا الطبيعي حتى دخول صالات السينما.”
محمد المغني: السينما كجسر بين الشعوب
أما المخرج محمد المغني، الذي يعرض فيلمه “برتقالة من يافا” (فلسطين، بولندا، فرنسا)، فقد قدم رؤيته للسينما باعتبارها جسرًا يربط بين الفلسطينيين والعالم. قال المغني: “السينما الفلسطينية هي وسيلة لبناء جسور بيننا وبين العالم، وبين أفراد الشعب الفلسطيني. إنها تتيح لنا التعبير عما بداخلنا، وتقديم الصورة الحقيقية لما نعيشه. لكن صناعة السينما في فلسطين تظل صعبة للغاية، لأن الظروف تجعلها رفاهية لا يقدر عليها الكثيرون.”
السينما الفلسطينية في مواجهة التحديات
تظل السينما الفلسطينية، رغم كل التحديات التي تواجهها، علامة فارقة في تاريخ الإبداع الفني العربي والعالمي. تلك السينما التي استطاعت أن تحمل في طياتها كل معاناة الشعب الفلسطيني وأحلامه في الحرية والاستقلال، ستستمر في أداء دورها المقاوم وتوثيق الواقع بكل شجاعة وصدق. الفنانون الفلسطينيون لا يضعفون أمام الظروف الصعبة، بل يواصلون عملهم بإصرار، حاملين معهم رسالة أمل حية للأجيال القادمة.



