قضايا وآراء

الشباب يعيد كتابة تاريخ الثورة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

بمشاعر غامرة بالفخر والاعتزاز يخلد المغاربة من طنجة إلى الكويرة مناسبتين غاليتين وعزيزتين تصادفان العشرين والواحد والعشرين من شهر غشت؛ أولاهما الذكرى الواحدة والسبعون لاندلاع ثورة الملك والشعب المجيدة لتحرير الوطن من ربقة الاستعمار، وثانيتهما عيد الشباب الذي يصادف الذكرى الواحدة والستين لميلاد جلالة الملك محمد السادس رمز الشباب الناهض والمغرب الجديد وجيل ما بعد الاستقلال الذي تسلم مشعل التحرير، ورسالة الأجداد، والجذوة المتقدة والدينامية لتحريك عجلة التاريخ في اتجاه المستقبل الآمن والتنمية المستديمة لمغرب آخر ممكن في القرن الجديد ما بعد الاستعمار وما بعد ثورة التحرير والبناء.

تشكل المناسبتان خزانا لا ينضب بالذكريات المجيدة عن التلاحم الدائم بين العرش والشعب في كل المنعطفات التحريرية والتنموية الوطنية، والتي ساهمت بشكل قوي في حماية الوحدة الترابية الوطنية، والدفاع عن حوزة البلاد، والصمود في وجه الرياح العاتية لمؤامرات التقسيم والابتزاز التي استهدفت المملكة المغربية الشريفة، خصوصا في فترات انشغالها ببناء المؤسسات وترميم وإصلاح مخلفات الاستعمار، ونشر التعليم والعلم ومحاربة الفقر والأمية والهشاشة والتفاوتات بين الفئات والجهات. كان عملا جبارا ومتعدد المداخل ذلك الذي باشرته البلاد بعزم وقوة، منذ جلاء الاستعمار، لإعادة الاعتبار لوطن مزقته القوى الاستعمارية، وتكالبت عليه مخططات الإفشال والانقلاب على المشاريع الوحدوية والتنموية، فاجتاز المغاربة عقباتها بكل التضحيات التي بذلوها لحماية اللحمة الداخلية والتلاحم المتزايد والمطرد مع الجالس على عرش البلاد، وصرنا اليوم بفضل الاستحضار الدائم لروح هذه اللحمة والتلاحم نقطف ثمار الاستقرار، وننعم بالأمن والأمان النابعين أصلا من الطمأنينة والسكينة الروحية والمعنوية التي أشاعتها وكرستها ثورة ملك وشعب على الظلم الاستعماري في ثورة التحرير، وعلى الخصاص والندرة والجهل في ثورة البناء والتشييد والتوحيد، وعلى التردد والتراخي في مجابهة أسئلة حارقة ترتبط بالنموذج المجتمعي الحداثي الديمقراطي والتنموي والحقوقي المنشود للأجيال الناشئة والقادمة في ثورة التأهيل والإصلاح المؤسستي، إذ كان من جميل الحظوظ والفرص المباركة التي توفرت للمغرب، أن يتولى سليل الأمجاد والبطولات الملك الشاب الملهم جلالة الملك محمد السادس عرش البلاد، فيَصِل الماضي بالحاضر، ويحول خزان المكتسبات التاريخية المغربية في الوحدة والتضامن والحرية والسيادة إلى منجزات مؤسستية كبيرة وإلى أوراش مفتوحة على المستقبل المنظور، من أجل جعل المملكة المغربية قطبا دوليا محوريا في منطقته، وحاضنة قوية لقيم التعاون والشراكة والتضامن على الصعيدين الداخلي والخارجي، بما تطلبه كل هذا التحول من استثمار أساسا في الموارد البشرية، وفي الشباب بالخصوص الذي ارتفعت همته إلى الأعالي بفضل الرؤية الملكية السامية والسديدة لإدماج الشباب في الحياة العامة، وتوفير شروط التكوين المتين والتعليم الجيد للأجيال الجديدة التي ستكون لها كلمتها في سياق الدينامية المجتمعية والاقتصادية التي هيأ جلالة الملك أرضيتها وشرع في جلب الاستثمارات الاستراتيجية الكبرى لها، بناء على الموثوقية والمصداقية اللتين يتمتع بهما النموذج المغربي في الحكامة السياسية والديبلوماسية على الصعيدين القاري والدولي.

لن نتفاجأ غدا من تصاعد هذا السيل الهائل من أنظار دول العالم المتقدم المتوجهة إلى المغرب، للبحث عن فرص الاستثمار في الصداقة والشراكة، وفي المشاريع المهيكلة والاستراتيجية المربحة التي يقدمها المغرب القوي بمؤسساته، وبقدراته الهائلة على الإقناع والتفاعل، وقبل كل ذلك، بالاحترام والتقدير لقيادته الحكيمة والحَكَمة التي تنقل البلاد من انتصار إلى آخر، وتمد أيادي التعاون على الخير والعدل والسلام لجميع من يقاسمها رهانات وتحديات التنمية المستديمة والاستقرار الدائم، لن نتفاجأ بهذا الزخم من الاتفاقيات والمعاهدات والاعترافات المتواصلة بموثوقية المغرب وشرعية وحدته الترابية، لأن المكتسبات المغربية في هذا المضمار، وخصوصا في التجهيز وتوفير البنى التحتية الكبرى والخبرات العاملة والمتحفزة، باتت جاذبا قويا في المنطقة الغربية الإفريقية لاستثمارات قارية ودولية يعول عليها في الربط بين دول الساحل الإفريقي، وفي توفير منافذ وجسور للتبادل الاقتصادي والتجاري العابر للقارات.

لم يستثمر المغرب موقعه الجغرافي الاستراتيجي الجذاب فحسب، في أعمال الربط القاري، وإنما أيضا مكانته التاريخية كدولة وثقافة وحضارة ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، وكذلك سياسته في الانفتاح والتعاون والشراكة على أساس منطق “رابح – رابح”، واستقراره ومخططاته الناجعة في تحييد مخاطر العنف المسلح والكراهية والتطرف والإرهاب العابر للقارات، وكذا حكمته في إدارة الصراعات الوهمية المفروضة على شعوب المنطقة وعلى دول إفريقيا لشغلها عن الاستثمار في المستقبل.

وبفضل هذه المكتسبات الكمية والنوعية الناجعة والناجحة يدخل المغرب العشرية الثالثة من القرن الجديد بقيم الآباء والأجداد في التضحية والوفاء، وبعزيمة الشباب في خوض غمار المنافسة والرخاء، وبأهلية تامة لاستحقاق ما استحقه من إشادة دولية واعتراف الدول الوازنة بالحق المغربي الشرعي في تحرير التراب وتوحيد البلاد، وتحييد النزاعات المفتعلة حول أقاليمه الصحراوية الجنوبية، وافتتاح قنصليات في قلب هذه الأقاليم ومدنها العامرة والواعدة، إيذانا بانتهاء عهد الابتزاز والعدوان، كما انتهى سابقه عهد الحجر والحماية، الذي شطبته ثورة الملك والشعب إلى غير رجعة.

 فهنيئا لملكنا وشبابنا عيد الشباب المجيد، وإلى الأمام جميعا نستلهم روح ثورة الملك والشعب الخالدة في الوفاء والإخلاص والتلاحم والتعاون على الخير، لا يضرنا من ناصبنا العداء ظلما وبهتانا، بل إننا نشهد اليوم طي التاريخ لمؤامراته ودسائسه كما يطوى السجل، وارتداد عدوانه عليه كما ترتد الخيوط المطاطية إلى وجه ممدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق