قضايا وآراء

السكان والتنمية


بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

رغم أن الذهنية العامة تعتبر عمليات إحصاء السكان والساكنة مجرد عمل تقني وحسابي بسيط تقوم به الجهات الحكومية المسؤولة والمؤسسات الإحصائية المختصة من أجل تقديم أرقام عن تعداد السكان في البلد وتوزيعهم بحسب المناطق والجهات، وينفذ ويجدد مرة كل عشر سنوات على الأقل، إلا أن ما ينطوي عليه الإحصاء العام للساكنة من كشوفات وبيانات مباشرة وغير مباشرة يتم رصدها وتجميعها أثناء الإحصاء العددي، لا ينحصر فحسب في تعرف خرائط الوضعية الديموغرافية بالبلد، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم تشخيص ميداني وواقعي دقيق عن الحياة في البلد بكل ما تشمله من أنشطة للأسر ونسب للفقر والهشاشة وأوضاع للصحة والتعليم والشغل والإنتاج والثروات ومعدلات النمو والبطالة والأمية وغيرها من أنشطة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تتطلب من أي مسؤول كيفما كان موقعه أو أي مستثمر أو مقاول أو باحث أكاديمي أن يتعرفها بكل تفاصيلها في مرحلة الرصد والمعالجة للأرقام والمعطيات، ثم لترتيب قراءات أو تدخلات أو إجراءات تصحيحية أو تطويرية أو تعديلية عليها في مرحلة استثمار النتائج والخلاصات والتوجيهات، أي اتخاذ المعطيات والبيانات الإحصائية أرضية وقاعدة في أي عمليات لاتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى سواء من الفاعل الحكومي أو من الهيئات المدنية والجهات الشريكة الوطنية والدولية وكذا مؤسسات البحث العلمي، على أسس سليمة وذات مصداقية ونجاعة.

ولأن عمليات الإحصاء تتمتع بهذه الأهمية المركزية في مجتمع المعرفة والاتصال وفي دولة المؤسسات، خص جلالة الملك استعداد المغرب لإنجاز حدث الإحصاء العام السابع للسكنى والساكنة برسالة توجيهية إلى رئيس الحكومة ومنه إلى جميع الوزارات المعنية، من أجل التعبئة الجماعية، وتجنيد مختلف الإدارات المتدخلة لإنجاح هذا الاستحقاق الوطني، الذي لم يفوت المغرب مواعيده المنتظمة منذ نيل استقلاله وبالضبط منذ أول إحصاء عام للسكان عام 1960، وظل يطور أدواته وعدته واستماراته، إلى أن بلغ بها في العشرية الثالثة من هذا القرن ومع التطورات التكنولوجية والمستجدات المعلوماتية الحديثة وكذا الخبرات المتراكمة، مبلغا تبوأ به عن جدارة واستحقاق مكانة الصدارة في محيطه العربي والمغاربي والإفريقي، إذ يعتبر المغرب وبشهادة من المنتظم الأممي رائدا في منطقته من حيث انتظام إحصاءاته العامة ومصداقية بياناتها وجودة المعلومات المحصل عليها وموثوقيتها.

لا يتعلق الأمر إذا بمجرد عمل روتيني ينجز من حين لآخر لتحيين المعطيات والأرقام، بقدر ما يتعلق بمصداقية دولة مستقرة وناهضة تشرِّف مسؤولياتها والتزاماتها بإجراء جميع استحقاقاتها التنموية والديمقراطية في مواعيدها المحددة والمنضبطة والمتوافقة بالخصوص مع المعايير الدولية المقررة، ولا تكتفي فحسب بهذا الإجراء والتنفيذ الإداري والتدبيري للاستحقاق، وإنما تراهن على جعله محطة للتغيير وقاعدة للتخطيط للمستقبل وتقويم المشاريع والبرامج وتطويرها ومراجعتها بهدف تحسين مؤشرات الحياة والنماء والازدهار، ولهذا السبب وعلى هذا البناء المتين تبنى الثقة والموثوقية في النموذج المغربي التنموي الذي يستقطب إليه الاستثمارات الدولية وتتجه إليه أنظار الشركاء.

ومن هذا المنطلق، فإننا إن كنا لا نشك في احترافية ومصداقية وكفاءة الخبرات المغربية ذات السمعة الدولية في تنظيم وإعداد استحقاق كبير كهذا الإحصاء العام للسكان والسكنى، فإن مزيدا من التعبئة لترقية عملياته ومدخلاته وتجويده تحتاج إلى مزيد من العمل على النشر الواسع لنتائج الإحصاء، واستثمار أرقامه وما رصده من مظاهر وظواهر اجتماعية واقتصادية وثقافية واقتصادية وديموغرافية، في قراءة المستقبل وتوجيهه وسرعة التفاعل مع متغيراته ومعالجة الاختلالات المرصودة لتجاوزها بقوة اقتراحية وتجلية مناسبة تزيد بلادنا دفعة أخرى في الاتجاه الصحيح، وتضع حدا للغموض والتردد والانتظارية القاتلة والعشوائية في القرارات التي لم يعد مسموحا، في ظل توفير الإحصاء لمعطيات ميدانية مدققة ومرقمة، بتأخير زمن الإصلاح عن مواعيده.

إن الارتباط الوثيق بين نتائج الإحصاء السكاني وخلاصاته ومؤشرات التنمية التي تسعى البلاد إلى تحسينها وترقيتها، تجعل محطة هذا الإحصاء مناسبة لتقويم مدى تحقيقنا من جهة ومرحليا لأهداف الألفية الثالثة للتنمية التي تنخرط فيها بلادنا مع المجتمع الدولي بالتزام تام ببنودها وتوصياتها، ومن جهة أخرى مدى قدرة النموذج التنموي المغربي في طابعه الدينامي الحالي على مواكبة مجتمع المعرفة والاتصال السريع التغير والتأثر، وعلى الإدماج المستديم والمنتظم للمتغيرات السريعة والجديدة ضمن مسارات تنزيله وتطويره، خصوصا تلك المتغيرات التي تكشف عنها نتائج الإحصاء. يرتب علينا الإحصاء العام للسكان والسكنى مسؤولية وطنية في غاية الثقل والأهمية نظرا لما يُحمِّلنا دولة وحكومة ومؤسسات وشعبا من مسؤوليات أقلها التعبئة الجماعية لإنجاح هذا الاستحقاق بكل موضوعية واحترافية وشفافية وصدق في شق تنفيذه وإجرائه، وأعلاها بذل الجهد التأملي والتحليلي، من قبل الباحثين وكذا القطاعات الحكومية والهيئات السياسية والمدنية والمنظمات والمقاولات الاقتصادية، في قراءة نتائجه واستثمار معطياته وبياناته في خدمة المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي والتنموي الذي يُعتبر تحسين مؤشرات الحياة والعيش الكريم وإنتاج الثروات والقضاء على الهشاشة والفقر والخصاص والتفاوت بين الفئات والجهات أحد أهم أهدافه ومقاصده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق