قضايا وآراء

تتويج دولي مستحق

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

نجح المغرب وبنسبة مطلقة وكاملة، خلال السنة الماضية، في الفوز بـ 46 مقعدا في مختلف المناصب التي ترشح لها داخل منظمات وهيئات دولية وإقليمية وقارية متنوعة الاختصاصات ما بين الاقتصادي والحقوقي والتشريعي والأمني والتجاري والاجتماعي والثقافي والرياضي والبيئي، وما بين منصب نائب لرئيس هيئة ومنظمة، إلى عضوية مجالس تنفيذية وهيئات تقريرية ولجن استشارية، وغيرها من مناصب المسؤولية التي توجت جميعها بالفوز في مطلع السنة الجديدة بأكبر منصب في هيئة وازنة ودالة تابعة للأمم المتحدة، ألا وهي مجلس حقوق الإنسان، حيث انتخب المغرب في شخص السفير الممثل الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة بجنيف، السيد عمر زنيبر رئيسا لهذا المجلس الأممي، وحيث تجاوز أمر هذا الانتخاب مجرد تداول أممي على هذا المقعد إلى تتويج للمغرب كشريك عربي وإفريقي في تكريس مبادئ حقوق الإنسان وحمايتها، واعتراف بما راكمته بلادنا منذ عقود من الزمن من تطورات ومكتسبات حقوقية مشرفة إن على الصعيدين السياسي والتشريعي أو على الصعيدين الاجتماعي والثقافي. إذ ما كانت الدول الثلاثون التي صوتت لصالح المغرب خصوصا الدول الإفريقية ـ وفي ظل حملة تشويهية وتشويشية شرسة قادتها كل من الجزائر وجنوب إفريقيا ـ لتدعم بقوة ملف الترشح المغربي، لولا الرضى التام عن الحصيلة الحقوقية المغربية المشرفة والنموذجية والمشعة في محيطيها القاري والدولي.

إن وصول المغرب إلى رئاسة مجلس حقوق الإنسان الأممي، ليس صدفة ولا فلتة كما حاولت الجهات الضعيفة والخاسرة المعادية للمغرب أن تنعته، وإنما هو وليد تراكم كبير في مسار مغربي متميز، سواء في بناء نموذج وطني للحريات والحقوق تحتضنه تشريعات المملكة واجتهادات قضائها وحقوقييها، وبتثبيت وتكريس من دستورها، أو في التعاون الدولي على حماية حقوق الإنسان في العديد من الملفات الحقوقية الشائكة التي يعتبر المغرب رائدا بمساهماته وبقوته الاقتراحية لحل معضلاتها وتعزيز التفاهمات الدولية حولها، من مثل ملفات الهجرة والإرهاب واحترام الحريات الدينية وتعزيز الحوار بين الثقافات ودعم قيم المساواة والعدالة الاجتماعية… فالمغرب يمتلك تجربة وخبرة كبيرتين في تدبير النقاش، والتداول في الحلول، وبناء الاستراتيجيات التدخلية الناجعة والإيجابية، والمقاربات البناءة والتشاركية في إدارة القضايا المتعلقة بالحريات والحقوق، وقد نجح وطنيا وقاريا ودوليا في خلق مناخات إيجابية لإرساء التفاهم والتوافق الإنسانيين والدوليين.

لا يتعلق الأمر في هذه النجاحات والانتصارات المغربية فحسب بتحسين صورة البلد والدعاية لخصوصية واستثناء مغربي في منطقته ومحيطه، بل بنوايا صادقة وأعمال ملموسة ومجهود لتجويد وتحسين منظومة العيش الكريم والاستقرار والأمن، وحفظ الكرامات والحريات، وكذلك بالسعي لتقاسم هذه التجربة المغربية بما يعود على المبادلات الدولية ثقافيا وسياسيا وديبلوماسيا بالنفع العميم. فالاعتراف للمغرب بدوره الدولي في تكريس القيم الإنسانية الفضلى والمثلى في رعاية الحقوق، ودعم الإصلاحات، والتقدم في درب الديموقراطية والتنمية، هو اعتراف بالمصداقية والشرعية، وبأن غدا أفضل يصير ممكنا بالاجتهاد والتطوير والتحسين للأداء الرسمي والشعبي والمؤسساتي في نشر قيم التعاون والتشارك والتقاسم والانفتاح، ويصير ممكنا كذلك بتبني النهج الحواري والتفاوضي، وبحث الحلول السياسية السلمية التي يبرع المغرب في إبداعها، وفي صياغة قوتها الاقتراحية التي تستجيب لتطلعات الشعوب والأمم والدول المحبة للعدل والسلام.

إن الرصيد التاريخي للمغرب في التعاون الحضاري على رفع قدرات الإنسانية لمواجهة التحديات الكبرى للتعايش فوق هذا الكوكب، موضوع في خدمة البشرية، وهو الذي تم تقديره واعتباره في كل المناصب والاستحقاقات الدولية والإقليمية والقارية التي يترشح لها المغرب، ويفوز بها عن جدارة واستحقاق، وفي كثير من الأحيان من غير منازع ولا معترض، فأرض المغرب ومنذ عقود من الزمن، لا يكاد يمر فيها أسبوع من غير أن تنعقد في رحابها اجتماعات معتبرة لهيئات ومنظمات أممية في مختلف المجالات التعاونية الدولية، وهي علامة مميزة دوليا بالانفتاح وتيسير سبل التوافق والتفاهم، ومن ثمة فإن تدرج المغرب في الرقي بمناصبه ومقاعده في هذه الهيئات والمنظمات من العضوية إلى الرئاسة، لهو خير دليل ليس فحسب على مكانة المغرب ووزنه الدولي وعلى الاعتراف المتزايد بالدعامة المغربية للاستقرار والأمن الدوليين، بل على سلامة الاختيار ووضوح الرؤية، وعلى شفافية المنافسات الدولية التي تحتكم إلى معايير واضحة ودقيقة، عمل المغرب في مساراته الحقوقية والديموقراطية والتنموية على الوفاء بها عبر تحسين مؤشراته التنافسية من سنة إلى أخرى، ليكون في مصاف الدول الكبرى المؤثرة والفاعلة في الساحة الدولية.

 فما هي إلا سنوات معدودة وبالجهود المتواصلة والتراكم المتزايد، حتى يكون المغرب قد استكمل كل الحلقات التي تؤهله للاستجابة التامة لشروط انضمامه الكامل إلى نادي الكبار، بناء على ما سيحققه من نهضة قوية تلوح كل تباشيرها في الأفق، من خلال ما يجنيه اليوم تباعا من مكتسبات وانتصارات وتفوقات في كل مشاريعه الاستراتيجية المدروسة بعناية.

المنصب القادم في الهيئات والمنظمات الدولية الذي تضع الديبلوماسية المغربية عينها عليه، لتحقيق أول نصر إفريقي وعربي، هو العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وهو المقعد الذي يؤهله إليه هذا الرصيد المتنامي من المصداقية والتعاون، وكذا الوزن والقيمة المضافة للصوت المغربي وللعلامة المغربية المميزة والعريقة.

نرجو أن تكون السنة الجديدة سنة يمن وبركة على بلادنا في مسيرتها نحو التتويج الدولي والإقليمي والقاري المستحق، وهو التتويج الذي سيخدم السلام والاستقرار الدوليين، وسيزرع الأمل في غد أفضل للشعوب والأمم والدول الناهضة، وسيضع على المغرب مسؤوليات جديدة في قيادة هذا الأمل ورعايته لما فيه الخير للبشرية جمعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق