قضايا وآراء

كي لا ننسى

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

كان بالإمكان أن ننسى نحن المغاربة هذه الجريمة النكراء في حق آلاف من أهالينا ومواطنينا وشعبنا وبلدنا، والتي هزت الضمير الإنساني والقومي والديني حينها ذات عيد أضحى مبارك، وأن نطوي هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ الجوار والمنطقة، وتصبح من الماضي المدفون بعد مضي قرابة نصف قرن على وقوعها وذهاب فاعليها من مجرمي الحرب والإرهاب والأحقاد إلى ربهم وعند مليك مقتدر يأخذ للمظلوم حقه المهدور في دنيا الناس والجبابرة والطغاة، لولا أن من خَلَف هؤلاء الطغاة يتوعدون بتكرار مثيلاتها تارة، وينكرونها تارة أخرى ويرفضون إثارتها أو الاعتذار عنها أو إدانتها ويعلنون جهارا شماتتهم في الضحايا وذوي حقوقهم، وتأخذهم العزة بالإثم في كل مواقفهم نحو مزيد من صب النار على ذكرى هذه الجريمة الشنعاء وإحيائها واعتبارها من مفاخرهموبطولاتهم الخالدة في مواجهة المغرب وتعبئة الشعب الجزائري وشحنه ضد جيرانه.

ففي غمرة الاحتفال بعيد الأضحى المبارك، تتذكر آلاف العائلات المغربية جرحا غائرا في نفوسها، لم يندمل بعد رغم مرور 48 سنة عليه،وكان ذلك يوم عيد أضحى موافق ل 18 دجنبر من عام 1975، حينما قامت السلطات الجزائرية وبأمر من قيادتها العليا بمداهمة المغاربة القاطنين في الجزائر وحملهم على وجه السرعة في شاحنات وإلقائهم على الحدود وتهجيرهم وطردهم إلى المغرب، مع كل ما في هذه الجريمة الشنعاء من خرق سافر لحقوق الإنسان وانتهاكات للأعراف والمعاملات الديبلوماسية، وتدنيسا ليوم ديني للمرحمة والتوسعة على المسلمين عظيم عند الله، وارتكابا لذنب كبير في موسم حج وأشهر حرم جعل الله الظلم والمعاصي فيهن أعظم وزرا من المعاصي في سواهن.

لم يقتصر حكام الجزائر آنذاك على مجرد التهجير القسري لمواطنين مغاربة أبرياء لا جريمة لهم إلا أنهم مغاربة بالجنسية والهوية، مقيمون في الجزائر بصفة قانونية، وإنما تم الاستحواذ على ممتلكاتهم ومصادرتها وانتزاع ثرواتهم، وتفريقهم عن أزواجهم وأبنائهم، وتجريدهم من كل شيء إلا من لباس النوم لمن كان فيهم آمنا في سريره، ولباس العمل لمن كان فيهم في معمله وحقله ومكتبه، ولباس الدراسة لمن كان فيهم في مدرسته وجامعته، ولباس المرض لمن كان حينها في غرفة العمليات بمصحة أو بمستشفى… كان يوما مأساويا كبيرا لهذه العائلات المغربية والجزائرية المختلطة التي مزق الجلادون جسدها الواحد، وتنكروا للتضحيات التي قدمها هؤلاء المقيمون المغاربة بين أظهر إخوانهم الجزائريين،سواء في تحرير الجزائر، وفيهم أبناء مجاهدين بل ومجاهدون، أو في بناء الدولة الجزائرية الحديثة وفيهم رجال الإدارة والأعمال والعلم وصناع وتجار وحرفيون، ألقي بهم كلهم في لحظة خاطفة في الخلاء والعراء، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى شراب أو طعام أو مأوى أو دواء، قبل أن يجتازوا الحدود نحو بلدهم المغرب الذي تعبأ في تلك الأيام العصيبة لإيوائهم وإطعامهم، ونقلهم حيث عائلاتهم، ونقل مرضاهم إلى مختلف مستشفيات البلاد، واتخاذ إجراءات إدارية وتدابير اجتماعية لإعادة إدماجهم في المجتمع، وفيهم عدد كبير من الأطفال والتلاميذ والطلبة المولودين في الجزائر، والذين انتزعوا من مقاعد الدراسة ومدرجات التحصيل العلمي، في بلد لم يفتحوا عيونهم إلا عليه، وهم اليوم بعد نصف قرن على هذه الجريمة الغادرةيحتلون مواقع مشرفة في بلادهم، يستحضرون بكل مرارةذكرى أليمة وجارحة في حقهم وفي حق أهاليهم من آباء مغاربة أو أمهات جزائريات فرق مجرمون غادرون خائنون بينهم بكل الفظاعات التي استطالوا بعد أعوام في تكريسها وإرسائها، إلى غاية الإغلاق النهائي للحدود البرية والجوية مع المغرب، وقطع العلاقات معه وحفر الخنادق ونصب الأشواك في كل المعابر بين البلدين، في اعتداء آخر سافر على حرمات وحقوق العائلات المغربية الجزائرية المختلطة التي مزقتها العصابة الحاكمة في جزائر اليوم، وشردت أبناءها وأحفادها وقراباتها، تنضاف إلى الاعتداءات القديمة، وتزيد من التأكيد على استمرار جزائر اليوم في احتضان مجرمين قدامى وجدد من المسؤولين عن اضطهاد آلاف المقيمين المغاربة في الجزائر، وذبح آلاف من أبناء الجزائر في العشرية السوداء، لتجمعنا العصابة الحاكمة في الجزائر مع أحرار الجزائر في الخندق نفسه من الاستهداف والاضطهاد والتهجير والمطاردة.  

لم يكن عدد هؤلاء المغاربة المهجرين بالهين ولا بالقليل الذي يمكن استصغاره أو التقليل من أضراره وتداعياته، فالرقم المعلن عنه هو 350 ألف مغربي مرحل ومهجر، في مسيرة ” كحلاء” كما سماها نظام الجزائر، ردا على المسيرة السلمية الخضراء المباركة التي أطلقتها المملكة المغربية لاسترجاع صحرائها من الاستعمار الاسباني، والتي شارك فيها 350 ألف متطوع مغربي رجالا ونساء استجابة لنداء الملك والوطن من أجل دك الحدود الاستعمارية الوهمية بين الأقاليم الشمالية والأقاليم الجنوبية المغربية. النظام الجزائري المجرم، الذي تحكمه اليوم عصابة تشكل فرعا وامتدادا لهذا النظام البائس والحاقد، مستعد في ظل تنامي عدوانيته، وتصاعد سعاره ضد المغرب، واعتداده بآثامه وخطاياه، أن يكرر نفس الجريمة التي لم يعاقَب عليها، ولم تطله يد المساءلة القانونية الدولية، ولم يرد المظالم إلى أصحابها، ولم يعتذر عن صنيعه المخزي…إذ إن عددا من التصريحات والتسجيلات والمدونات المتداولة في إعلام دولة الجوار، تسوق لصورة سيئة مليئة بالحقد والكراهية عن بقايا المغاربة في الأراضي الجزائرية الذين استقدموا إليها لإنجاز أعمال حرفية وصناعات تقليدية، أو هاجروا إلى هذا البلد في فترات التهدئة المتقطعة، أو من الذين انقطعت بهم السبل، وهم عرضة لحملات دعائية وتشويهية وتحريضية ضدهم، وتعبئة الشعب الجزائري بالدعايات المغرضة، تارة بادعاء أنهم مهاجرون غير شرعيين، أو أنهم مهربون وتجار مخدرات ومزورو عملات، أو من الجواسيس والصهاينة وما إلى ذلك من تخرصات، هدفها الوحيد ترسيخ الكراهية، وتمرير العداء لكل ما يمت إلى المغرب بصلة، تمهيدا للتغطية على جرائم جديدة في حق الشعبين تعد لها العصابة عدتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق