ورطة العصابة في البرلمان الأنديني

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس
سبق أن أثرنا باستغراب في عمودنا الأسبوعي السابق موضوع دعوة المسماة غلوريا فلوريس ممثلة البرلمان الأنديني، لحضور الدورة الـ 17 لاتحاد المجالس البرلمانية للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، التي عقدت في الجزائر، فقط للإدلاء بتصريحات عدوانية غير مسبوقة في هذا التجمع الإسلامي، استهدفت بها حصرا وخصيصا عضوا مؤسسا لمنظمة التعاون الإسلامي، وسمحت لنفسها بالخوض في الوحدة الترابية للمغرب، وادعاء تكلمها باسم المجموعة البرلمانية الأندينية التي تضم خمس دول من أمريكا الجنوبية، لم تفوض لها الحديث باسمها، ولا عينت لها موضوع النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية كرسالة وحيدة منها إلى التجمع البرلماني الإسلامي، للقيام بما يتعين بشأن ” تقرير المصير” و”الاستفتاء” والانفصال والاستقلال والاحتلال.
فلا مجموعة البرلمان الأنديني ولا التجمع البرلماني الإسلامي ولا حتى مجلس الشيوخ الكولومبي الذي تنتمي إليه، يُعْرف عنهم موقف جماعي رسمي معاد للوحدة الترابية للمغرب أو مناهض لمغربية الصحراء، بل المعلوم للقاصي والداني أن هذه المؤسسات البرلمانية قامت في محطات متفرقة، سواء في العام الذي ودعناه أو العامين السابقين عليه بعد تحرير المغرب لمعبر الكركارات وتطهيره، بخطوات جبارة لتكريس الحل السياسي التفاوضي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وفي إطار الاحترام التام لسيادة المغرب على جميع أقاليمه الجنوبية. وقد ذكرنا سابقا بالمواقف الإيجابية لمنظمة التعاون الإسلامي ومجلس الشيوخ الكولومبي والبرلمان الأنديني من التوجهات الوحدوية والتنموية المغربية، وذكرنا بالتحدي الكبير الذي وضع فيه البرلمان الأنديني شعوب أمريكا اللاتينية عندما قرر إعطاء إشارة قوية لمساندته المغرب في وحدته الترابية، بعقد جلسته العامة بمدينة العيون جوهرة الصحراء المغربية، في تجربة غير مسبوقة لهذا البرلمان في عقد اجتماعاته خارج نطاق الدول الخمس العضو فيه، وذلك في شهر يوليوز من العام الماضي، وكان هذا الاجتماع مناسبة للمؤسستين البرلمانيتين المغربية والأندينية للاحتفال بالذكرى الرابعة على القرار التاريخي للبرلمان الأنديني القاضي بدعم مخطط الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية، ومناسبة أيضا لجرد حصيلة الشراكة والتعاون بين المؤسستين البرلمانيتين، منذ انضمام المغرب كشريك وعضو ملاحظ بالبرلمان الأنديني عام 1996.
أزيد من 26 عاما من العلاقات المتواصلة بين المؤسستين البرلمانيتين المغربية والأندينية طويت فيها خلافات وخُلق فيها تراكم، وذللت فيها صعوبات وسدت فيها ثغرات وارتقت فيها المعاملات إلى درجة نسج طموحات مشتركة وشراكات نموذجية في العلاقات بين دول جنوب ـ جنوب، مكنت البرلمان المغربي من الحصول على وضعية شريك متقدم في البرلمان الأنديني، ومحاور متميز وذي مصداقية وتأثير على الصعيدين الإفريقي والعربي والإسلامي.
فكيف تأتى لهذه السيدة المزعوم أنها جاءت إلى الجزائر ممثلة عن البرلمان الأنديني، لتبليغ رسالات عدوانية ضد المغرب، وإلقاء خطب تحريضية عليه؟ والحال أن لا مؤسستها البرلمانية الأندينية ولا الكولومبية ولا منظمة التعاون الإسلامي التي أقحمتها العصابة الحاكمة للجزائر فيها، قد خولت لها متفرقة أو مجتمعة أن تعلن ما أعلنته من مطالب للانفصال والاستقلال والاحتلال والاستفتاء وتقرير المصير في الصحراء المغربية، دون التنسيق مع الجهة البرلمانية التي تمثلها؟
الجواب طبعا أتانا بعد أيام قليلة على انتهاء أشغال دورة اتحاد مجالس الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي، وهو الجواب المتمثل في بيان لجنة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية والدبلوماسية للبرلمان الأنديني، الذي أنكر جملة وتفصيلا أن يكون ما أدلت به السيدة هو الموقف المسؤول لهذا البرلمان الأنديني، مجددا في الآن نفسه تأكيده على دعمه للوحدة الترابية للمملكة وتأييده لمبادرة الحكم الذاتي.
فماذا بعد هذه الفضيحة للسيدة المدعية زورا تمثيلها للموقف البرلماني الأنديني بشأن قضية الصحراء، إلا فضيحة العصابة الحاكمة في الجزائر التي استقدمتها ودفعتها ودفعت لها لتتألى على المؤسسة التي تمثلها وتتطاول على المغرب دون أن يسمح لها بذلك وضعها الاعتباري ولا صلاحياتها ومهامها التمثيلية لهيئتها، ولا الأخلاق الديبلوماسية الرفيعة التي تجمع البرلمان المغربي بالبرلمان الأنديني.
لقد أثبتت العصابة الحاكمة في الجزائر بعد انكشاف فضيحتها، أن هذا العمل الجبان والاستفزازي هو ديدنها وراء كل الملتقيات والمؤتمرات والتظاهرات الدولية التي تنعقد على أراضيها، وأنها تترك جانبا كل القضايا والانشغالات التي تحملها الوفود المشاركة إلى الاجتماعات، لتنشغل بالتشويش والتدليس والتزوير وإقحام أجندات مؤدى عنها، للإساءة أولا وقبل كل شيء لصورة الدولة الجزائرية، قبل أن تسيئ للمغرب أو للمؤسسة أو الهيئة المحتضنة للاجتماع.
فما الذي خرجت به العصابة من هذا الاجتماع الدولي ومن اجتماعات سممتها، غير سوء التدبير وسوء العاقبة، تلاحقها اللعنات وتجر وراءها عوراتها المكشوفة أمام العالم، وخسارات للمصداقية وضياعا للجهود والأموال في شرور الأعمال. ففي الوقت الذي يؤسس فيه المغرب لدولة المؤسسات والمسؤوليات والمصداقية واحترام الحق والقانون وبناء الشراكات، نجد دولة العصابة تورط كبريات المؤسسات والدول في مكائدها، مثلما ورطت هذه المسؤولة الكولومبية في البرلمان الأنديني، وبدل أن تكون هي وبرلمانها الذي تنتمي إليه، شريكا في المنطقة المغاربية والإفريقية والعربية والإسلامية لدعم السلام والاستقرار والوحدة وقيم التعايش، تقودها العصابة إلى حيث حتفها، وتضحي بها بعد أن انتزعت منها على حين غرة تصريحات في غير محلها، وسوقت لها ولا تزال، تاركة إياها أمام زوبعة عاصفة في البرلمان الأنديني الذي أهانت ذكاء أعضائه ومراقبيه وملاحظيه ومن بينهم البرلمان المغربي، وتصرفت في ما لا يحق لها أن تتصرف فيه من مواقف مسؤولة.


