تهديدات تواجه الأمن الغذائي للمغاربة ودعوات برلمانية لمحاصرة تبذير الطعام

الرباط- عبد الحق العضيمي //
خلص التقرير الصادر عن المجموعة الموضوعاتية حول الأمن الغذائي، التي أحدثها مجلس المستشارين، إلى وجود عـدة نقـائص واختلالات تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على تحقيق سيادة غذائية بالمغرب، على الرغم من الإنجازات المحققـة علـى أكثر من مستوى، والتي بفضلها استطاعت جميع سلاسل القطاع الفلاحـي فـي أوج أزمـة “كوفيـد 19” انطلاقـا مـن التمـوين إلى غايـة تسويق المنتجات الفلاحية والغذائيـة، المحافظة على صمودها في وجه الجائحة.
اختلالات تشريعية
وقالت المجموعة الموضوعاتية في تقريرها، الذي عرضت مضامينه في جلسة عامة بمجلس المستشارين أول أمس الاثنين، إن الإطار التشريعي الذي يخضع له نظـام التخزين “يعرف ضعفا واضحا، لاسيما القانون رقـم 09-71 المتعلق بنظام التخزين الاحتياطي، “حيـث لا يقـدم هذا الأخير تعريفـا دقيقـا للتخـزين الاحتياطي، مما يجعله يتداخل مع مفهـوم مخزون الاستغلال لـدى المشتغلين، المخصص، بطبيعتـه، لتلبية احتياجاتهم التجاريـة ولـيـس لـتـأمين الحاجيات الوطنيـة خـلال الظروف العادية والاستثنائية”.
مظهر آخر من مظاهر الضعف التشريعي، بحسب التقرير البرلماني، يتمثل في “عدم تنصيص القانون المذكور على معايير توضـح بشكل دقيق طرق تنظيم وتدبير المخزون، ومن ناحية أخرى، فإن إجراءات المراقبة والمتابعة المنصوص عليهـا تعتريهـا نـواقص حقيقيـة تـهـم الطـابع الإلزامي والجـزاءات المترتبـة عـن عمليات التتبع والمراقبة”.
كما نبه التقرير إلى التأخر في صدور المرسوم التطبيقي المتعلـق بالقانون رقـم 12-94 المنظم لسـوق الحبـوب والقطاني المفروض أن يحدد تكوين المخزون الاحتياطي وتحديد طريقة تشكيله وتمويلـه.
التقرير البرلماني، توقف عند ما أسماه بـ”العجز الواضـح” علـى مسـتوى طـاقـات التخزين وتكوين المخزونات الاحتياطيـة، و”عدم فعاليـة الآليات التمويلية المعتمدة ” لتطوير طاقات التخزين وتوفير كميات المخزون.
هيمنة التخزين التقليدي
وسجل المصدر ذاته استنادا إلى التقارير الوطنية المنجزة، “هيمنة التخزين التقليدي بالمستودعات، بنسبة 65 في المائة من السعة الإجمالية مقارنـة بـالتخزين فـي الصوامع، الذي يوفر تخزينـا أكثـر جـودة ويتيح تتبعـا أسهل وأكثـر دقة.
وارتباطا بسلسلة قطاع الحبوب، وبعدما ذكر بأن قطاع الحبوب يعتبر إحـدى الضمانات الأساسية لتحقيق الأمن الغذائي بـالمغرب، حيـث تشكل الحبـوب الغذاء الأساسي لمجمـوع الساكنة المغربيـة، أفادت المجموعة الموضوعاتية بأن هذا القـطـاع يعرف خصاصا متنوعا، يتعلق الأمر أساسا بـ”تدهور جودة إنتاج الحبوب، ووجود شوائب متعددة ناجمة عن عمليات الحصاد، فضلا عن ظروف التخزين غير ملائمة، ومشكل التعايش بين المنتجات المستوردة والإنتاج الوطني.
التقرير انتقد أيضا عدم وضوح رؤية المشغلين المستوردين للحبوب، وضعف استغلال فرص السوق العالمية (عدم تزامن فترة الشراء مع فترة الحصـاد عنـد التصدير ووفرة العرض)، وهشاشة البنية التحتية للتخزين وعدم كفايتها، وضعف محدودية التدابير التحفيزية والدعم الممنوح لمنظمات التخزين، وكذا ضعف دمج التصنيع في سلسلة القيمة، وعدم تكامل الإنتاج في النسيج الصناعي.
وبخصوص سلسلة إنتاج اللحوم، قال التقرير إنه “إلى جانب الفرص المهمة التي يوفرها قطاع إنتاج اللحـوم فـي مجـال التنمية الفلاحيـة وتقليص مستويات الفقر، بالإضافة إلى فوائده المباشرة على صعيد الأمن الغذائي وتحسين تغذيـة الأفراد، ورغم التطور المهم الذي شهده هذا القطاع الحيوي، فهو لازال يعـاني مـن مجموعـة من الاختلالات التشريعية والتدبيرية، سواء تعلق الأمر بسلسلة اللحوم الحمراء أو سلسلة الدواجن”.
جهود مبذولة.. ولكن
ومن ضمن هذه الاختلالات، عـدم الالتزام بالنصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بشروط إحداث المجازر وطرق تدبيرها، وعدم احترام العديد من المجازر للشـروط الصحية والبيئية، لاسيما في الأسواق الأسبوعية، فضلا عن عدم الالتزام بالضوابط المتعلقة بمعالجة النفايات السائلة والصلبة، إذ يتم تصريف الميـاه العادمة والدهون والدماء الناتجة عن عملية الذبح مباشرة ودون معالجـة مسبقة فـي شـبكة التطهير العمومية، علاوة على مشكل الذبح السري، وعدم إخضاع نسبة كبيرة من اللحوم المستهلكة على الصعيد الوطني للمراقبة.
وفيما يخص سلسلة الدواجن، قال التقرير إن “مجموعة العمل الموضـوعاتية الخاصـة بـالأمن الغذائي بقدر ما تسجل أهميـة المجهـودات المبذولة والمتواصلة الرامية إلى تنظيم هذا القطاع الحيـوي مـنـذ صـدور القانون رقـم 99-49 المتعلق بالوقاية الصحية لتربية الطيور الداجنة ومراقبـة إنتـاج وتسـويق منتوجاتهـا، والـذي دخـل حيز التنفيذ سنة 2006، فإنها بالقدر نفسـه تسـجل استمرار العديـد مـن الاختلالات”.
وسجل برلمانيو المجموعة الموضوعاتية “هيمنة القطاع غيـر المـنظم فـي مجـال الـذبح، بحيث لا تستجيب غالبية المذابح لمعايير السلامة الصحية، وتشكل خطرا على صحة المستهلك”، وكذا “غياب شروط السلامة الصحية داخـل محـلات الـذبح التقليدية، ومـا يترتـب عـن ذلـك مـن مخاطر انتقال الأمراض، وتهديد سلامة وصحة الأفراد، بالإضافة إلى الحضور القوي للوسطاء الذين يمارسون نشاطهم في قطاع الدواجن بشكل غير قانوني.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، والتي استقتها المجموعة الموضوعاتية من التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2019- 2020، فإن حولي 92 في المائة من لحوم الدواجن الحيـة يتم تسويقها عبـر المـذابح التقليديـة، حيـث تـتم عمليـة الـذبح دون احترام شروط النظافة وذلك في غياب الرقابة الصحية البيطرية.
السكر .. تراجع المساحات المزروعة
وارتباطا بالسلسلة السكرية، ذكرت المجموعة الموضوعاتية في تقريرها، أن هذا القطـاع الذي عرف خطوات استراتيجية مهمة بهدف تحديثه وتلبية احتياجات السوق الوطنية من مادة السكر يشهد بدوره صعوبات جمة، تتمثل في “تراجع المساحة المزروعة، إذ انخفضـت مـن 54.345 هكتـارا سـنـة 2017 إلى 46.172 هكتارا سنة 2021”.
وعزى التقرير هذا الانخفاض إلى “شح المياه، وظـروف السقي الصعبة، لاسيما في محيط دكالة وتادلة”.
ووفقا للمصدر ذاته، فإن القطاع يعاني أيضا مـن مشـكل ارتفاع أسعار الأسمدة بشكل تصاعدي علـى مسـتوى السـوق الوطنية والدولية، خاصة الأسمدة النيتروجينية، مما يؤدي بشكل مباشر إلى زيـادة تكاليف التسميد لمحاصيل السكر، وهـو مـا يترتـب عنـه انخفاض هـامش الربح خاصـة بالنسبة للفلاحـين.
وحذر التقرير من خـطـورة هذا الوضـع فـي “إمكانيـة تخلـي المزارعين عـن الزراعـات السكرية، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر سلبا على جهود التنمية التي يبذلها المغرب مـن أجـل الإنتاج المحلي للسكر وتأمين السيادة الغذائية”.
وعند حديثه عن الزيوت التي تعتبر عنصرا أساسيا في مائدة الأسر المغربية، أفاد التقرير بأن هذه المادة “وكباقي السلاسل الغذائية بالمغرب، حظيت باهتمام كبير من قبل الدولة وعلى جميع المسـتويات”، مضيفا أنه “بـالرغم مـن ذلـك، لازال هذا القطـاع يعـرف اختلالات بنيويـة علـى كـل المستويات”.
الزيوت.. 98.7 في المائة تستورد من الخارج
وفي هذا الصدد، كشف التقرير أن المغرب يستورد 98.7 في المائة من المواد الأوليـة الزيتية من السوق الدوليـة علـى شـكل زيـوت نباتيـة خام بالأساس، فيما تساهم النباتات الزيتية المنتجة محليا بنسبة 1.3 في المائة.
وربط التقرير تراجع قطاع استخلاص الزيوت النباتية الخام خلال السنوات الأخيرة باعتبارين أساسيين، أولهما يتعلق بضعف إنتاج الحبوب الزيتيـة، وثانيهما يتصل بحـذف الرسوم الجمركيـة علـى واردات الزيـوت النباتيـة الخام والحبوب الزيتية القادمة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكيـة اللـذين تربطهما بالمغرب اتفاقيتين للتبادل الحر.
وأوصى التقرير البرلماني بترصيد المجهود الوطني التنموي المبذول، لا سيما المخططات والبرامج والأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب منذ الاستقلال للنهوض بالقطاع الفلاحي.
مؤسسة وطنية مستقلة للسيادة والأمن الغذائي
كما دعت الوثيقة البرلمانية إلى إحداث مؤسسة وطنية مستقلة للسيادة والأمن الغذائي، يعهد لها بتنسيق الاستراتيجيات الوطنية في هذا المجال، تعنى باليقظة والرصد الاستباقي للأزمات الطارئة والمحتملة التي قد تهدد المنظومات الغذائية، وتتكفل بتحديد واقتراح أنماط التدخل، وتتبع المؤشرات واستشراف التحولات الكبرى المؤثرة على قوة الأمن الغذائي الوطني.
وحث مجلس المستشارين ضمن تقرير على تعزيز آليات التمويل والمواكبة والمصاحبة المالية ومنظومة الشمول المالي بالعالم القروي، من أجل تقوية التثبيت الديموغرافي وتعزيز الاستثمار الذاتي وإحداث المقاولات والمساهمة في بناء جيل جديد من الطبقة الوسطى بالعالم القروي.
كما طالب بتسريع تنزيل السجل الاجتماعي الموحد من أجل تسهيل مسار إصلاح منظومة المقاصة، معتبرا أن هذا السجل “سيمكن من تعزيز آليات الاستهداف الخاصة بالدعم وضمان إطار عادل ومنصف لعمل صندوق المقاصة”.
وشددت المجموعة الموضوعاتية على تقوية نظم الرصد الغذائي لمواكبة الأهداف الإنمائية للألفية، وملاءمة المؤشرات الوطنية مع المعايير والمتطلبات الجديدة للأمن الغذائي، والانخراط في دينامية التحول الرقمي، عبر جعل الرقمنة آلية حقيقية لتمكين الفاعلين في القطاع الفلاحي من الولوج وبشكل أني إلى المعطيات والمعلومات الفلاحية وكل ما يرتبط بالصناعة الغذائية، وتقوية الاكتفاء الغذائي، وتقليص نسبة التبعية الغذائية، لاسيما بالنسبة للمواد الغذائية الأساسية (القمح، السكر والزيوت البذور والأسمدة ).
سن قوانين لمحاربة هدر المنتوجات الفلاحية
من ضمن التوصيات أيضا الواردة في التقرير، الدعوة إلى سن قوانين تشريعية وتنظيمية للحد من هدر المنتوجات الفلاحية في مختلف مراحل التوزيع، والتخزين، والتسويق، ووضع آلية وطنية لضبط الكميات الحقيقية التي يتم هدرها، مع الرفع من المنتوجات الفلاحية القابلة للتحويل الصناعي، وتشجيع الاستثمار في مجال الصناعة، والرفع من المنتوجات الفلاحية القابلة للتحويل الصناعي، وتشجيع الاستثمار في مجال الصناعة الغذائية.
وأوصت المجموعة أيضا بتنمية سلاسل الانتاج الفلاحي مع التركيز على الزراعات التي تصمد أمام المتغيرات المناخية، واعتماد خطة وطنية لتكييف سلاسل الإنتاج مع الاعدادات المناخية الجديدة، مؤكدة على ضرورة الاستعمال الرشيد والعقلاني للموارد المائية لفائدة الزراعات التي تضمن ديمومة الأمن الغذائي، وترشيد استعمال المياه الجوفية، بتقنين أنماط الاستغلال وتوجيهها لدعم استدامة الأمن الغذائي، واعتماد جيل جديد للتجميع الفلاحي من أجل مواجهة حالات الجفاف وغلاء المدخلات وقلة تنظيم السوق الداخلي وصعوبات التسويق الخارجي، إلى جانب الاستمرار في التطوير المبتكر للإطار القانوني للتجميع الفلاحي باعتباره خيارا استراتيجيا للنهوض بالسلاسل الإنتاجية على مستوى النجاعة والمردودية والانتاجية.
وبالنسبة للتوصيات المتعلقة بنظام التخزين، دعا التقرير إلى توفير بيئة تشريعية وتنظيمية تهم نظام التدبير وشروط التخزين ومصادر التمويل وغيرها من الضوابط الكفيلة بإرساء منظومة متكاملة لتدبير وتأمين المخزون الاستراتيجي للمـواد الأساسية.
وطالب برلمانيو المجموعة الموضوعاتية بإحداث آلية وطنية للضبط والتنظيم، يعهد إليها التدبير الشمولي للمخزون الاستراتيجي، اعتماد نظـام مراقبـة فـعـال بخصـوص كـل مـا يتعلـق بالإمداد بالمخزون الغذائي وكيفيـة تدبیره، وكذا اعتماد آلية الإنذار المبكر والاستيباقي ضد المخاطر التي تهدد سلاسل الصناعة والإمداد، مع إعداد نظام شامل لجرد أرصدة مخزون المواد الأساسية، والاهتمام بالعنصر البشري عبر تأهيل قدرات الأشخاص المكلفين بإدارة ومراقبة المخزون لضمان التعامل السليم مع السلع، واعتماد سياسات عمومية جديدة تتعلـق بتدبير المخزون الاحتياطي الاستراتيجي، بهـدف تغطية الطلب المحلي ومواجهة الصدمات الطارئة وتقلبات السوق.
وأوصى التقرير بتشجيع الاستثمار في البنية التحتية عبر تشييد وتطوير وحفظ مرافق التخزين، وتعزيز برامج البحث والتطوير المتعلقة بتخزين المواد الغذائية.
ومن ضمن التوصيات كذلك الواردة في التقرير، الدعوة إلى اعتماد إطار تشـريعي وتنظيمـي للـحـد مـن آفـة الضياع والهـدر الغذائي، لا سيمـا مـا يتعلـق بتسويق واستهلاك الخبز، مع تقوية نظم المراقبة الوطنية، والترابية الخاصة بالسلامة الغذائية على امتداد سلاسل الإنتاج والاستهلاك.






